مدونة الرافعي
سياسية إخبارية
قرآن واحد، سنة واحدة، سلف واحد.... وسلفيتين

قرآن واحد، سنة واحدة، سلف واحد.... وسلفيتين

 

بقلم : عبد الله الرافعي

 

مع بداية القرن 18 ظهرت بوادر الانشقاق في جسد المنظومة السياسية الإسلامية الكبرى وامتد لهيب الانفصال عن سلطة الباب العالي في أكثر من قطر من أقطار العرب، وحفز مرض الرجل العثماني "مروق" الكثير من الثوار على التواجد التركي في بلادهم خاصة في الشام، حيث تحول هذا التواجد إلى استعمار بكل ما تعنيه الكلمة، وهذه الثورات كانت تحتاج إلى مؤطرين، قادة، منظرين ومرجعية دينية تقوم اعوجاج نظام الحكم "الديني" الذي حكم به الباب العالي بلاد العرب واستمد منه شرعية خلافة آل عثمان.

ولما تحالف انحراف الخط الإسلامي التركي مع الخرافات الدينية والبدع المستحدثة في المجتمعات العربية التي دب فيها الجهل وأطنب متظافرا مع ما حاق بالمجتمعات من ضيم و ظلم الاستعمار ، ظهر محمد بن عبد الوهاب كأكبر فقيه في شبه جزيرة العرب، هذا الرجل كانت أفكاره ودعواه تتمحور حول هدف واحد هو العودة بالإسلام والمسلمين إلى الوضع الذي كان عليه الحال أيام النبي – صلى الله عليه وسلم- والرعيل الأول من صحبه الأطهار وتابعيهم وفق ما ذكره النبي – صلى الله عليه وسلم-: "خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم"، ولأن الإجماع الغالب في تفسير "القرن" الذي جاء حديث المصطفى هو الجيل أو الجماعة وليس المقصود به الزمن أي أنه لم يعن به القرن المتعارف عليه بأنه 100 عام، نفهم منه أن خير الناس هم الصحابة الكرام رضوان الله عليهم ثم تابعيهم ثم تابعي التابعين على الترتيب. وسرعان ما طفق محمد بن سعود على إقامة إمارة صغيرة في نجد لعائلة آل سعود تستمد مرجعيتها الدينية من فكر وفتاوى صهره (والد زوجته) الشيخ محمد بن عبد الوهاب، لكن هذه الإمارة الصغيرة سرعان ما انهارت مع أول امتحان حقيقي لها على يد محمد علي باشا الكبير، بيد أن فكرة الوهابية التي ظلت تسمى كذلك إلى أيامنا المتأخرة هذه لم تكن لتموت بسهولة، حيث أعاد عبد العزيز بن عبد الرحمان آل سعود تأسيس المملكة السعودية في نسخة ثانية منقحة هي القائمة إلى يومنا هذا، والتي لا تزال متمسكة في الظاهر بكل التراث والمرجعية الدينية السلفية. وربما لهذا السبب حدث الشرخ داخل الصرح السلفي سياسيا واستراتيجيا، فتحولت السلفية راهنا إلى سلفيتين إحداها علمية والأخرى تعرف بالحركية أو الجهادية. وعلى الرغم من أن كلاهما يستند إلى نفس المعين السلفي وكلاهما لا يختلف في شأن الشيخين تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية وتلميذه ابن القيم الجوزية، إلا أن نقطة خلافهما المحورية تفسير النص أو الفتوى.

اليوم يبدو النموذجين أكثر وضوحا، فهما يشكلان نواتين تسبح في فلكيهما بقية التنظيمات الجهادية والممسكة بأهداب السلف الصالح، فالسلفية العلمية باتت تيارا إصلاحيا لا يتعدى امتداده ووظيفته حدود المجتمع الذي هو في غالب الأحيان لا يعني لمريديه أكثر من المسجد، وتختزل كل قضاياه ومسائله الفقهية في حدود العقائد وأساليب العبادات ومحاربة ما علق بهما من خرافات وبدع، كما أنه يتفادى الخوض نهائيا في أمور السياسة والحاكمية والجهاد وغيرها من شؤون الإسلام الأساسية، من حيث هو دين كامل يعنى بشؤون الدنيا والآخرة. ويستمد أتباعه كل فتاواهم من المرجعية النجدية المعاصرة كالشيخ ابن باز والعثيمين والألباني وغيرهم. ولأن هذا التيار داخل في تحالف أو مهادنة مع بلاط الحكم في الرياض، فإن ذلك تحول إلى كبوة أفقدته الكثير من  بريقه وباتت السياسات العامة لمملكة آل سعود في حلفها مع أعداء الإسلام وتورطها السافر في العدوان العالمي على العراق في عام 1991 ثم غزو هذا البلد في 2003 واحتلاله وتدميره، باتت هذه السياسات التي تباركها أو على الأقل تسكت عنها المرجعية السلفية العلمية النجدية تنفر الكثير من المسلمين منها، وحتى بينها من يحملها دماء المسلمين في العراق وأفغانستان وغزة أخيرا. أما التيار الثاني المخالف للأول والمسمى بالسلفية الحركية أو الجهادية، فنموذجها بلا شك تنظيم القاعد المستند بدوره إلى تراث السلف الصالح، كما يدعون وأكثر من ذلك أنهم ينهلون تماما كما ينهل الأوائل أي أدعياء السلفية العلمية من فتاوى الشيخ ابن تيمية، خاصة ما تعلق منها بقضية الجهاد أو ما يصطلحون عليه بالفريضة الغائبة. ومن دون التعمق والغوص في تفاصيل الخلافات الفكرية بين السلفيتين العلمية والجهادية، يكفي فقط بأن نأخذ من مسألة علاقة الفريقين بالحكم شاهد المقارنة. فالعلميون يتمسكون بطاعة الحاكم مهما بدر منه حتى ولو تحكم في الرعية من المسلمين حاكما أخذ أموالهم وجلد ظهورهم، أما الجهاديون فيرون بخلاف ذلك منطلقين في الغالب من قوله تبارك وتعالى: "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون" وبتفسير ضيق وخاطئ لهذا النص يخرجون على الحاكم بالسلاح دون اكتراث لعواقب ذلك، والتي أقلها إراقة دماء المسلمين دون وجه حق في حرابة محرمة يعتقدونها أو يصورونها لغيرهم جهادا.

وعليه فإنه من الخطأ أن نتصور السلفية مذهبا ولا حتى أيديولوجية، فطالما تعني التشبث بأهداب السلف الصالح رضوان الله عليهم، فإنها الإسلام الصحيح وما دامت هي الإسلام الصحيح، فإن كل مسلم هو سلفي أيا كان مذهبه مالكيا، حنبليا، شافعيا أو حنفيا، لأن الإسلام وصلنا نحن المسلمين المتأخرين من السلف الصالح وليس لنا معينا آخرا نأخذ منه ديننا غير تراث السلف الصالح المتوارث عن النبي – صلى الله عليه وسلم- الذي لا ينطق عن الهوى كما قال الله تعالى في سورة طه، وحذر الله تبارك وتعالى من البدع والمنكرات والإحداث في الدين أو إعمال العقل حيث لا يعمل والتقيد برسالة محمد – صلى الله عليه وسلم- إذ يقول عز من قائل: "وما أتاكم به الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا" وتؤيد السنة هذه الآية بقول المصطفى المعصوم – صلى الله عليه وسلم-: "كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار" أو كما قال. وهذه هي الفكرة الرئيسة التي تتمحور حولها السلفية بشقيها العلمية والحركية، أما ما يلاحظ أو ما يؤخذ على الفرقتين راهنا هو أن الأولى العلمية تحولت إلى مخبر تنظير لنظام آل سعود والثانية أي الجهادية فتحولت إلى إيديولوجية ثورية تمارس الحرابة في شكل ما كان عليه غلاة الخوارج الأزارقة.

 

   

عبد الله الرافعي

كاتب صحفي جزائري

abdellah_errafii@hotmail.com

errafii.maktooblog.com

www.errafii.jeeran.com

 

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية