في سبيل بناء شرق أوسط مقاوم
بقلم: عبد الله الرافعي
إخواننا الصعايدة في مصر يقولون: "من يضع في عنقه حبلا فألف من يجره!!" والنظام المصري وضع الحبل وأسدله على غاربه، فلماذا ينكر على حزب الله أن يجره في الاتجاه الذي يخدمه، على الأقل حتى يستميله ما استطاع عن الميل العظيم الذي جرته إليه الصهيوصليبية؟! لماذا يقبل النظام المصري أن يكون منقادا برغبته أوغصبا عنه بحبال الصهيونية الإسرائيلية و الأمريكية؟ ويرفض أن يدلي حزب الله بدلوه في الاستثمار في قوة وريادة ومكانة مصر وشعبها؟! الحقيقة أن هذا هو الحاصل الآن في قضية المعركة المحتدمة بين القاهرة وحزب الله في أعقاب ضبط الأمن المصري لجماعة تعدادها زهاء 50 رجلا بتهمة تقديم الدعم اللوجيستيكي لحماس في غزة انطلاقا من الأراضي المصرية، وفي حدود هذه النقطة وحدها ندرك ماهية الدور المصري الذي يبيح للصهيوصليبية ما يحرمه على غيرها من العالمين، ولكن لماذا يصر نظام القاهرة على تكييف هذه القضية في سياقات متشعبة بعيدة عن الواقع، لقد أسقطت عاديات الزمن كل مساحيق التجميل المنتهية الصلاحية التي عبثا يزين بها النظام المصري وجهه ويبيض بها سوء عمله، وقد أصبح عاجزا حتى عن الدفاع عن نفسه أمام شعبه الذي يراه اليوم منتفضا على 50 رجلا من أتباع حزب الله، تهمتهم أنهم يؤدون واجبهم القومي والإسلامي والإنساني تجاه إخوانهم المرابطين في غزة بينما لم تجف بعد دماء أطفالها ونسائها الذين أعلنت ضدهم الصهيونية "تسيبي لفني" حرب الإبادة الجماعية من مكتب مبارك قبل ثلاثة أشهر؟
إن حسن نصر الله وإن أنكر الناس عليه أنه يمتد من عمق مصر عصبا عن نظامها المترهل، فقد كان اعترافه بأن سامي شهاب الموقوف بين الخمسين رجلا هو من كوادر تنظيمه، ما يجعله أحق الناس بالعفو ، هذا إذا اعتبرنا جدلا أن إعانته لحماس وسكان غزة المحاصرين عملا عدائيا ضد مصر!
ولكن كيف نفسر إصرار مبارك وموقفه هو ووزير خارجيته أحمد أبو الغيظ ورئيس جهازه لاستخباراتي عمر سليمان، وهم عبثا يسوقون للناس سلعة إعلامية بائرة تقول بأن مصر هي راعية السلام في فلسطين، سواء بين حماسوعباسأو بين عباس وإسرائيل أو بين حماس وإسرائيل!!
لقد حق لحزب الله أن يفتخر بمدده اللوجيستيكي لغزة فاعترف بذلك وافتخر، وحق أيضا على نظام مبارك أن يعترف بجريمته في غزة ويعتذر، فما اعترف ولا اعتذر. هذه المعطيات أضحت ترسم بواقعية ووضوح معالم العالم العربي مستقبلا، معالم شرق أوسط نقيض لما منت به كوندوليزا رايس نفسها وأنفس شركائها المجرمين اليمينيين المتصهينين، هذا الشرق الأوسط العربي نواته حزب الله وقوته الجماهيرية هي السواد الأعظم من شعوب العرب واستراتيجيته ومقومه الرئيسي هي المقاومة فكرا، أسلوبا، سياسة، مجتمعا، ثقافة واقتصادا أيضا، ولو أن اقتصاد المقاومة هي آخر لبنة في بناء هذا الصرح الذي أضحى نموذجه المصغر حقيقة لا تحتاج إلى تبيان ولا يحجبها إعلام التعتيم ولا يشوش على صوتها نعيق التصريحات الاستسلامية في عواصم العار، ولا تنتفص من قدرها ولن تؤخر أجل تجسيدها ترهات الفتاوى المذهبية ونظرات الطائفية. ولا أدل على ما نقول مما هو حاصل في لبنان.
حزب الله قوة إقليمية ومشروع واعد بدعم سورية وإيران أو من دون دعمها، وهو الرقم الأساسي في معادلة الصراع بين مشروعي الشرق الأوسط الصهيوصليبي والشرق الأوسط المقاوم، ومع الأيام ستتعاظم قوته ليغدو التعاطي الغربي معه أهم من التعاطي مع سورية وإيران، فقط لأنه يشهر البندقية ويهدد بالصاروخ ويؤخر جلسات التفاوض والخلوات السرية إلى ميعادها، ويغلب أسلوب المواجهة على أسلوب الحوار الفارغ، فمنذ أن حرر جنوب بلاده لبنان، عرف كيف ينطلق انطلاقة صاروخية لا يرضى فيها بما تحقق له غير آبه بتآمر الخصوم ولا معول بالكلية على معونات الحلفاء. ولم يمض على تحرير الجنوب إلا وقت يسير حتى حطم جبروت آل صهيون على صخرة مقاومته العتيدة عندما اعتدوا على بلاده صائفة 2006 و أرغم أكثر من نصف مليون صهيوني على مغادرة المغتصبات بلا رجعة إلى أمريكا. وها هو اليوم يتمكن من الهيمنة الحميدة المرحب بها على قلوب العرب والمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، هيمنة لا علاقة لها بمذهبية، كما يدعي نظام مصر ولا بأيديولوجية كما عهدنا في النصف الثاني للقرن الماضي، وعليه فلابد من ألا نخلط خلطا يجانبنا فيه الصواب فيما يخص الخمسين متهما الذين أوقفتهم الشرطة المصرية، فهم ليسوا شيعة ولا متشيعين، ما يبعد عنهم نهائيا أي علاقة بالمذهب الشيعي، ووصفهم الوحيد أنهم ثوار حتى لا نقول مجاهدين، وهنا لابد من الإشارة إلى نقطة هي من الأهمية بمكان، فالمقاومة والثورة لا تتطلبان مذهبا معينا ولا حتى دينا معينا. وحتى يتحد الثوار في سبيل قضية ما يمكن للمذهب الواحد أو الدين الواحد أن يوحد صفوفهم ولكنه ليس ضرويا، فالثورة بإيمان وعقيدة مذهبية أو دينية تقوى ولكنها من دون الدين والمذهب تبقى، وإلا فكيف نفسر انخراط كارلوس (اليتش شانسيز راميريز) اللاتيني الأصل، النصراني بالمولد، الشيوعي المذهب أو الأيديولوجية في محاربة الإمبريالية والصهيونية في فلسطين جنبا إلى جنب مع المجاهدين؟!!
وما دامت مصر وغيرها من دول وشخصيات الاعتلال تصف حزب الله بأقبح النعوت وفي مقدمتها وصفه بالإرهابي، أليس حريا بنا أن نسأل متى أضر هذا التنظيم بأي مصلحة لأي بلد عربي؟!! فهو يحترم الكل وإن كانت لمصر وزمرتها المعتلة أي حساسية لإيران فإن حزب الله أبعد ما يكون عن ذلك رغم مذهبيته ورغم إصرارأمينه العام على أنه فخور بكونه أصغر جندي في صفوف جند الفقيه. ما لا يجب أن نغفله بأي حال من الأحوال هو أن حزب الله ونصر الله ليسا القاعدة أو ابن لادن ويكفيه أن أيادي جنوده طاهرة من دماء المسلمين بسنتهم وشيعتهم، وإن كانت هذه الأيدي ملطخة فبدماء عسكر الصهاينة عليهم من الله ما يستحقون، وعلى مبارك إن كان يريد أن يفعل ما يفعل دفاعا عن السنة، أن يسأل أبسط مسلم من مسلمي العالم عن ماهية المسلم كما جاء في الحديث الصحيح وسيقول له: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه و يده".
عبد الله الرافعي
كاتب صحفي جزائري
abdellah_errafii@hotmail.com
errafii.maktooblog.com







