من هولاكو الشرق إلى هولاكو الغرب
بقلم: عبد الله الرافعي
منذ 60 عاما يتباكى العرب على نكبتهم في 1948 ويستحضرونها مقرونة مع نكستهم في 1967 ويجلدون ذواتهم حزنا على ما خسروا. ومن عجيب أمرهم أنهم يعتقدون أن نكبة 1948 ونكسة 1967، أهون لدى بعضهم مما حاق بالأمة في 9 أفريل 2003، حينما سقطت بغداد سقطتها الثانية أو هي سقطتها التي لا نهوض بعدها. إن هذا لهو النكوص المر الذي استمكن من الأمة، فإذا كان لزاما علينا أن نحزن فحري بنا الحزن على سقوط بغداد، لأن سقوطها هو بمثابة أفول جذوة الأمل في الانتقام للنكبة والنكسة معا. فقد عاشت الأمة تعزي نفسها بأن من يحرر أقصاها المبارك حوله ويطرد قردة بني صهيون من المقدسات التي عاثوا فيها فسادا وكانت تعقد جام أمانيها على صدام ونظامه البعثي. ولكن الصهيوصليبية التي صنعت لصدام نهاية بطولية يحلم بها كل شريف من حيث لا تحتسب، أكدت بما لا يدع مجالا للشك عند عامة العرب والمسلمين، أن ما دمر لأجله العراق وأعدم لأجله صدام إنما هو تصديق لقوله تعالى: "ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم". إن هذا هو المقياس الوحيد الذي تعاطت وتتعاطى به الصهيوصليبية الحاقدة على العرب والمسلمين، وهو إزالة كل عقبة في طريقها لاحتلال البلاد وإبادة العباد ونهب الثروات. والنموذج في العراق لا يحتاج إلى دليل. ولكن، هل كان بإمكان هذا العدو أن ينكبنا هذه النكبة الشاملة لولا العملاء والأذناب والخونة من بني جلدتنا؟!!
إن التاريخ ليس فيه مساحات شاغرة بالقدر الذي يبدع فيه بشر الراهن فيختطون فيه صفحات جديدة، إنما هو فقط تكرار لأحداث سبق حدوثها، تكرار بنفس الأسلوب ونفس الأدوار التي يلعبها أشخاص تختلف أسماؤهم عن أسماء من قبلهم ولكن طباعهم هي هي !!
ومؤشر القياس في هذه الأحداث الذي يصنع وجه اختلاف بسيط لا يعدو أن يكون اختلاف الأسماء أو عدد وماهية القائم أو القائمين بالدور. فإذا لم يتأت لهولاكو إسقاط بغداد في العصور الوسطى إلا بتوفر الخيانة في سلوك أحد أكبر رجال الخليفة وهو ابن العلقمي، فكذلك شأن هولاكو الغرب في القرن الواحد والعشرين الذي لم يكن بمقدوره إسقاط بغداد سقطتها الثانية، إلا لما توفر له من "أبناء العلقمي" عشرات ومئات، بينهم معارضة عراقية تراوحت مهامها بين قوادة وزنا سياسيين، و منهم من هو بدرجة ملك أو رئيس أو جنرال، وكان بينهم حتى من كان بدرجة مرجعية دينية كبعض المتمسلفة النجديين والمستأممين الأزهريين!!
ففي أجساد هؤلاء جميعا حلت روح ابن العلقمي الخبيثة، فساهمت في سقوط الأمة برمتها، حيث أضحت منهارة من كل بواباتها شرقية وغربية، وفتت العراق إلى دويلات طائفية ومذهبية، تؤكد طرحا واحدا هو أن عراق العروبة والصمود والوحدة زال إلى يوم يبعثون، عندما أسقط البعث على يد هولاكو الغرب هذا الذي حمل لواء الصهيوصليبية الحاقدة واحتسب لعدم الوقوع فيما وقع فيه تتار الشرق الذين أعجبوا فيما بعد بالإسلام والمسلمين، فأسلم الكثير منهم وأسهموا في بناء حضارة المسلمين، ذلك أن السفاح الأكبر بوش ومن لف لفه من عرب وعجم، أجمعوا أمرهم على عدم الاكتفاء بإبادة البشر كعهد الرجل الأبيض الصليبي فحسب، بل ابتدعوا جريمة أخرى كان نظام صدام أول ضحاياها أسموها بدلالة سيميائية إرهابية وقحة "اجتثاث حزب البعث". وهذا ما لم نسمع به في آبائنا الأولين، بأن اختلقوا تهما واهية، أعدموا صدام وأعوانه بتهمة قتل 148 مواطنا في قرية الدجيل بحبل طوله 37 قدما وهو نفس عدد الصواريخ التي أسقطها نظام هذا الرجل في عمق إسرائيل، جريمة كهذه حتى وإن صحت فإنها تبقي صدام أقل حكام العرب إجراما في حق الشعوب، لأنها لا تساوي شيئا أمام فظاعة ما اقترفه نظراءه العرب من خدم إسرائيل وأمريكا المطيعين الذين منهم من أذاب معارضيه في حمض "الأسيد" ومنهم من سحق أجساد الأطفال بالدبابات ومنهم من استحي النساء وذبح الرجال، ومنهم من كانت قائمة ضحاياهم تعد بمئات الآلاف من العزل الذين لا يعرفون إجابة عن سؤال :"لماذا قتلوا؟!!".
إن النكبة الحقيقية هي نكبة 9 أفريل 2003، لأنها النكبة التي لا نهوض بعدها ولأنها أيضا يئست العرب من عتق رقابهم من عبوديتهم للصهيوصليبية التي أضيفت لها بعد انهيار البوابة الشرقية ثالثة الأثافي وهي الصفوية. وبين رماح وأفكار وعملاء هذا الثالوث الصهيوني الصليبي الصفوي، ضاعت ثروات ودماء وحرمة وبلاد العرب. لقد كان صدام ونظام البعث في عين حفدة اليهود "نبوخذ نصر، وفي عين الصليبيين صلاح الدين، وفي عين الصفويين المجوس سعد بن أبي وقاص. وكلهم انتقموا ممن أذلهم ماضيا في شخص صدام ونظامه، فقط لأنه حكم في عاصمة نبوخذ نصر وولد حيث ولد صلاح الدين وانطلق في معركته ضد الخميني من حيث انطلق سعد بن أبي وقاص!!
إن الغرب الصهيوصليبي عرف بما لا يدع مجالا للشك، أن صدام قول لا فعل. فهو لم يقل بأنه سيرمي إسرائيل في البحر كما قال عبد الناصر ولا قال: "طز في أمريكا" كما قال القذافي ولا قال إنه: "سيمحي إسرائيل من الخارطة"، بل إنه ضرب اليهود في أول سانحة بالصواريخ وشتان بين قول على عواهنه وفعل بحقيقته!! فقد اكتفى بالرد على تحرشات الصهيوصليبية بما رد به سلفه هارون الرشيد القائل: "جوابنا ما ترى لا ما تسمع".
عبد الله الرافعي
كاتب صحفي جزائري
abdellah_errafii@hotmail.com
errafii.maktooblog.com







