مدونة الرافعي
سياسية إخبارية
من المظاهرات المفبركة إلى الفتاوى الزائفة

من المظاهرات المفبركة إلى الفتاوى الزائفة

بقلم : عبد الله الرافعي

إذا كان للحاكم الغربي ما يثنى عليه، فانه قبل كل شيء احترامه للقوانين و النظم، و وقوفه عند الخطوط الحمراء التي تضبط له فضاءات حرياته و صلاحياته و سلطاته. و ربما هذا السلوك هو وجه الخلاف الرئيسي و الوحيد الذي يختلف فيه حكام العرب عن حكام العجم. ذلك إن حكامنا يسخرون كل شيء لخدمتهم لتبييض سود صفائحهم، فكل شيء رهن أمر الحاكم و طوعه حتى إن باطل الحاكم العربي حق و خطاياه رشد و إجرامه جهاد بقوة بنادق العسكر أو بشرعية زور القوانين و الدساتير. حيث سيوف العسكر مسلطة على رقاب المعارضين و حيث يقدم الدستور شهادات زور لصالح الحاكم متى احتاج إلى ذلك ولو وقف الأمر عند هذا الحد لأمكننا إغفاله و التغاضي عنه، بل إن الحاكم العربي راهنا بات يتعاطى مع آيات الذكر الحكيم و أحاديث المصطفى المعصوم كتعاطيه مع نصوص القوانين الوضعية و تشريعات " نوام" برلمانه غير الشرعي، و بتسخير علماء البلاط و إلحاقهم بمخابر الطبخات السياسية لتكميم الأفواه و تقييد السواعد بالفتاوى السياسية المعلبة على غرار ما يقدمه من "الخدمات الدينية" التي يسديها علماء نجد لعاهلهم و أئمة الأزهر لرئيسهم. فالأوائل أجازوا غزو العراق و الأواخر أفتوا بجلد الصحفي الذي يقول كلمة حق عند سلطانهم الجائر. أما الذين لفظهم البلاط و هجرهم المريدين فعبثا راحوا يؤسسون لفتاوى ما انزل الله بها من سلطان على مذهب جمال البنا الذي أفتى بجواز القبلات بين العشاق و أفتى بعدم إفطار السجائر للصائم في رمضان. و منهم من أراد أن يجتهد في الرخص و يتتبعها ( ومن تتبع الرخص تزندق )، فأفتوا بآخر صيحة في الفتية بل هي أفظع صيحة لتحليل الخلوة بين المدير و سكريتيرته. و وجدوا إن السبيل إلى ذلك هين يسير فحتى تنتفي شبهة الخلوة اقترحوا ما أسموه فتوى " رضاع الكبير" السحرية التي تحول السكريتيرة من خدن للمدير إلى أم مرضعة له!!

وأخيرا جديد احد حكامنا "المؤمنون جدا"، والذين لا يتحركون إلا وفق ما يرضي الله و رسوله، أو هو ما يتولى علماء البلاط كبره بأنه مرضاة لله و الرسول. كان الفريق عمر حسن البشير الذي حرمت عليه جنائية أوكامبو مغادرة بيته فوجد نفسه و هو عدو أمريكا ملتزما بجحره داخل منطقة خضراء كالتي ينزوي فيها عملاء أمريكا في كابول و بغداد، غير أن "الآلة الدينية" المسخرة لخدمة بلاط الخرطوم تحركت لتجعل اختفاء البشير في سرداب قصره غيبة مصيبة لمقاصد الشريعة الإسلامية وهي نفس التي امتطاها أثناء انقلابه في 29 جوان 1992 .

 "الآلة الدينية" السودانية أفتت بحرمة مغادرة البشير المفدى لبلاده كي لا يثبتوه أو يقتلوه . و طبعا فان الرئيس البشير "المؤمن جدا" سيعمل بنص هذه الفتوى انصياعا للدين رغم ان إيمانه أقل بكثير من إيمان السادات الذي باع فلسطين و شعبها و الأمة كاملة في "كامب ديفيد" لقاء أكياس قمح مسوسة و جائزة عار تسمى نوبل للسلام، و في شأن السادات كانت للاستسلام...... جديد الحكام العرب راهنا لم يعد كما كان في ستينيات القرن الماضي و سبعينياته في تبييض سواد الحكام عن طريق مظاهرات جماهيرية مفبركة على غرار مظاهرات الشارع العربي التي أعادت جمال عبد الناصر إلى السلطة في أعقاب نكسة جوان 1967 . إنما الحاكم العربي يستخدم خداعا تكتيكيا دينيا يحشد فيه علماء البلاط الذين "يشترون بآيات الله ثمنا قليلا" و يزورون أسباب النزول لتحوير الآيات بشكل يخال المرء معه أن الآية نزلت في حق الحاكم الفلاني حصريا أو هي تخاطبه وحده دون سائر المسلمين، على غرار آية جلد قاذف المؤمنات الغافلات التي جعل سيد طنطاوي سبب نزولها حصريا في حق أي صحفي يقذف – ولو بحق- المبارك بالعناية الأمريكية القانت الغافل حسني أحسن الله مثواه !!! و القذف هنا حسب المفتي و المفتى له هو أن يكتب صحفي " إن الرئيس مريض شفاه الله و عفاه"!!!

و الخوف كل الخوف تستمر البزنسة بآيات الذكر الحكيم بهذا الابتذال الذي وصفه الله تبارك وتعالى وحذر منه في قوله "وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون". لأن ذلك قد يفضي ببعض غلاة الضلال للخروج علينا بمصحف الرئيس فلان   أو الملك علان كما صنع قبلهم غلاة الرافضة الذين كتبوا "قرآن الزهراء" بأيدهم و قالوا هذا من عند الله . و هؤلاء و أولئك لا يختلفون كثيرا عن الزنديق سلمان رشدي  صاحب " الآيات  الشيطانية "، و لا أعتقد أن هناك فرقا بين  آيات شيطانية و فتوى شيطانية , ثم أسأل لماذا يعترض حكامنا على الإرهابيين الذين يفبركون فتاوى القتل لبلوغ مآربهم السياسية باستخدام الدين ويسمحون لأنفسهم بتبني فتاوى أخرى تهدف هي الأخرى إلى الحفاظ على مأربهم !!؟ ولعل هذا السؤال يجرنا إلى ما هو أخطر، وهو ما الفرق – و الحال هكذا- بين حاكم عربي و إرهابي!!؟ وما الفرق بين الذين أعانوا الصهاينة في قتل أطفال المسلمين و نسائها في غزة و بين الإرهابيين الذين يقتلون أطفال الجزائر منذ أكثر من عقد من الزمن؟!!!    

 

عبد الله الرافعي

كاتب صحفي جزائري

abdellah_errafii@hotmail.com

errafii.maktooblog.com

www.errafii.jeeran.com

 

     

 

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية